منتديات طولقة

قراءة نقدية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

قراءة نقدية

مُساهمة  علي حسن خواجة في الثلاثاء أبريل 13, 2010 11:19 pm

استحضارالغائب
قراءة في منجز شهاب محمد الشعري

د.علي حسن خواجة
جامعة بيرزيت
كلية الآداب
دائرة اللغة العربية وآدابها
ص. ب 14 بيرزيت
Email: akhawaja@birzeit.edu
khawajaali@ymail.com





















ملخص:
يسعى هذا البحث إلى تبيّن أشكال استحضارالنص الغائب في أعمال الشاعر شهاب محمد . أمست ظاهرة الاستحضار ملمحًا فنيًّا له حضور جليّ في التشكيل الصياغي للخطاب الأدبي الفلسطيني بعد مدريد بعامة، وأوسلو بخاصة؛ فلا يكاد يخلو أثر أدبي من علاقات التداخل والتفاعل مع الخطابات الأخرى الشعرية والنثرية، حيث يُكتشف الماضي، ويُقرأ في هَدْي الراهن، ويُعاد بناؤه من جديد وفق أساليب تمتاح المحمولات الدلالية المختلفة، لتُظهر طزاجة التجربة القصِّية، وخصوصية منشئها في التعبير عن الواقع في أبعاده الذاتية والحضارية والإنسانية.
فليس ثمة أديب يستطيع التعبير عن المعنى بمفرده؛ لأن الأجزاء المتفرّدة في أدبه هي تلك التي يؤكد خلودهم فيها بعنف الموتى من الأدباء أسلافه. ذلك أن كل نص محكوم بالتوالد مع نصوص أخرى بآليات وقوانين متعددة، يصطفي من بينها الأديب ما يناسبه للتعبير عن الرؤية الجمالية المرغوب في ملامستها في خطابه الأدبي؛ فالآخرالسابق أو المعاصر هو أمارة نترسّمها.
إنّ تمعنًا سابرًا للمنجز الشعري لشهاب محمد ، يُنبئ أنها تتفاعل ونصوصًا كثيرة تصب في الإبداع الأدبي، فتثري عناصره، حيث يقف المتلقي على أمثال وحكايات شعبية، وأساطير، وآيات قرآنية، وأحاديث، وأشعار، وأحداث تاريخية وسياسية، وأغانٍ شعبية، وقصائد مُغَنّاة، وأقوال مأثورة لمشاهير، فتهضم الدواوين – قيد الدراسة- النص الآخر وتستوعبه؛ من أجل محاورته تآلفًا وتخالفًا؛ لأن النص المُحاوِر يهدف من خلال المحاوَرَة إلى خلق نص جديد فيه بعض القديم، وفيه بعض ما أنجبته المُحاوَرَة وابتدعه الاحتكاك.
إن القدسية التي يتمتع بها النص القرآني والحديث النبوي الشريف جعل منهما هدفاً للشاعر الذي يحاول إضفاء مسحة من الصدق على مضمون شعره ليؤثر بكلامه في نفس المتلقي، ويهيّج مشاعر الرغبة والرهبة، ما يحمل السامع على تصديقه والاقتناع به.







تقديمٌ:
يقتضي استحضارالنص الغائب "وضع الأدب في السياق الاجتماعي، التاريخي العام، واعتبار هذا السياق نفسه بمثابة مجموعة من النصوص، تتقاطع في النص، ومع النص"1. وعليه، فإن إنتاج النص الجديد يتأتّى من عمليات امتياح وتشبّع وإثبات للنصوص الواقعة في مجال الاستحضار من جهة، وعبر هدمها ونفيها من جهة أخرى؛ فالمجال الاستحضاري "مجال حواري، وكل حوار ينطوي على قدر من الصراع، وهذا الجانب الصراعي جزء أساسي من آليات التناص"2.
فالدواوين وهي تحاور النصوص، وتتفاعل معها تثبت بعضها، حيث العلاقة بين المتحاورين توافقية، وفق باختين، وعلاقة نفي التوازي، وفق كريستيفا3، ونجد الدواوين –أحيانًا- تنفي بعض النصوص التي تهضمها، فتكون العلاقة تضادية أو تعارضية.
إن استيعاب هذه النصوص -في الدواوين قيد التقديم- لا يأتي تبسيطاً للعمل الفني، ولا إخلالاً به وبقواعده؛ ذلك أن حضور نص صريح داخل النص الشعري يأتي تحقيقاً لتداعيات المعاني، فجاءت هذه النصوص- في الغالب- لتخدم الدواوين وطروحاتها. ولا تقف هذه النصوص -في الغالب- موقف التعارض والمفارقة، مع الأشعار، بل تنمو معها وتنميها"4.

عرضُ:
لاستحضار الموروث الديني الغائب في الدواوين المدروسة أشكال عدة، تنتظم أحد قالبين: الاستحضارالنصي المباشر، حيث اتضاحٌ للمرجع والمُحال إليه، وغالبًا ما يتحقق عبر آليات الاقتباس والتضمين والاستشهاد. والاستحضار النصي غير المباشر، حيث ضبابية المرجع أو المحال إليه، وغالبًا يكون في الأفكار والمعاني والأسلوب"5.
يتجلى الاستحضار النصي في دواوين الشاعر على النحو الآتي:
(1)الاستحضار القرآني:
تعدّ العلاقة التفاعلية التي تجمع بين الشاعر والموروث الديني، التي تظهر في محاكاته لأسلوب الخطاب الديني ومضامينه ولغته وشخوصه أمرًا طبيعيًا، لما يشكله هذا الموروث من عنصر مهم وثابت في تكوين الشخصية الإبداعية، التي تعد وليدة البيئة والثقافة المحيطة بها، حيث تكتسب منها ملامحها وتكتمل، وإليها تعود لتذوب وتتفاعل باحثة عن أسرار الذات وتجلياتها الشعورية العميقة.
وحقيقة هذا التأثر تنبع من أن الشاعر يجد نفسه مدفوعًا إلى استحضار صورة هذا الخطاب باعتباره مصدرًا أدبيًا رفيعًا، ومعجمًا لغويًا حمل في ثناياه من درر الفصاحة وصور البيان ما عجزت أقلام القدماء والمحدثين عن أن تأتي ولو بسورة من مثله، وكان ذلك واضحاً في خطاب التحدي في قوله تعالى: "وإن كنتم في ريب ممّا نزّلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين".6
ويقوم الاستحضار الديني على إسقاط المدلول أو الشخصية الدينية سواء أكانت مقتبسة من القرآن الكريم أم من المصدر الثاني السنة النبوية الشريفة، على أحداث وشخوص معاصرين، لتحاول إعادة سرد أحداث الزمن لترصد من خلاله الإنسان بانفعالاته النفسية ونوازعه الداخلية، وتحاول فهم طبيعة تحوّل هذه النزاعات أو ثباتها في دائرة الحدث مع دورات عجلة الزمن.
وهذا الإسقاط لا يستدعي وجود علاقة مشابهة مباشرة أو متطابقة بين النص الديني والحدث أو الشعور المراد التعبير عنه؛ ذلك أن معظم الشعراء انحرفوا عن التعبير التقليدي الذي ينطوي على توظيف النصوص والرموز الدينية، بأبعادها النفسية والتاريخية ذاتها، وجنحوا إلى إعادة ترتيب الأحداث وقلب الحقائق الأصلية للقصة الموروثة حتى تتلاءم والأبعاد الجديدة المستحدثة مع طبيعة القضية التي يحاول النص إظهارها والتعبير عنها.
يركز الاستحضارالديني-أيضًا- على بعده الوعظي والأخلاقي، حيث يحاول من خلال الصورة الاستحضارية تجسيد شخصية للظالم وأخرى للمظلوم، ويقوم من خلال حبك روابط الصراع القديم الحديث بإبراز العبرة في قالب تصويري جميل مبتعدًا قدْر الإمكان عن صيغ الوعظ المباشر والمكشوف، فيسحر المتلقي بحداثة الشكل، وطرافة الصياغة، وعمق المعنى، وأصالة المضمون.
وكان للاستحضار الديني في شعرشهاب محمد قيد القراءة حيز كبير مقارنة بغيره من أنواع الاستحضار الأخرى المنتشرة في إبداعاته؛ حلم الفتى العائد، ورجع الجوى، ورحلة في بحر عاصف، و فصول في زمن المأساة، ووثبة للغزال قبلة للقمر.
ولتسهيل دراسة النماذج المطروحة، وبناءً على مصدر الاقتباس أو التأثر قُسِّمت إلى:
أ‌. الاستحضار القرآني.
ب‌. استحضارالحديث النبوي الشريف.
ج- الاستحضار العلمي.
أ. الاستحضار القرآني:
شكل هذا النوع حضورًا لافتًا، حيث نتبين -من خلال النماذج المرصودة- طبيعة التغيرات التي طرأت على القصص القرآني والشخصية القرآنية، وكيف استطاع الشاعر تطويعها لإرادة الحدث الجديد حتى يجعل من شعره خطابًا دينيًا حقيقيًا ينبه ذاكرة المتلقي إلى ذلك الرابط السحري، الذي قام الشاعر من خلاله بالربط بين الصورة الإسلامية التراثية القديمة متجسدة بالقرآن الكريم، وتلك التي يعيشها الإنسان في كل لحظة من حياته، محاولاً أن يجعل شعره عيْنًا على الحقيقة.
يقول الشاعر في قصيدة "المشهد الأخير"7 مخاطبًا الفلسطيني بفئاته كلها ، وموّجهًا إليهم خطابًا غاضبًا مستنفرًا يستهله بقوله: "إني ذاهب"، وكأنما يريد أن يعبّر عن شيء كامن، ورفضٍ قاطع لأمرٍ لم ندرك كنهه بعد فيقول:
إني ذاهب للمستحيل
فلا...... تفهموا أني سأرضى ما يرى هابيل
ولا.... لا تفهموا أني سأقبل ما يرى قابيل
ولكني هنا عند النهاية أرفع الأسرار
عن وجه القتيل....
يعبّر الشاعر من خلال النص السابق عن قضية اجتماعية خطيرة برزت ملامحها في المجتمع الفلسطيني وهي قضية الاقتتال الداخلي، ولعل ما دعم هذا التصور طبيعة ديوان الشاعر التي جاءت هذه القصيدة في مستهله، لقد سخّر الشاعرهذا الديوان كمرسوم سياسي لم يكتفِ من خلاله بعرض صور من الوضع الفلسطيني، بل تعدى ذلك إلى الحديث عن قضايا المقهورين في أنحاء أخرى من العالم. إلا أن الشاعر لم يطرح هذه القضايا بصيغة تصريحية مباشرة، ولم يجرؤ على ذكر جميع ملامح القضية، بل ترك للصورة الاستحضارية بشخوصها وإيحاءاتها النفسية حرية التعبير الملازمة لجمال التصوير.
لقد استحضر الشاعر "قابيل" و "هابيل" بآلية الاسم المباشر، وهما شخصيتان ارتبط اسماهما بتاريخ الجريمة الأولى التي عرفتها البشرية، وشهدت على قسوة النفس الإنسانية التي سوّلت للإنسان قتل أخيه الإنسان بدم بارد، هي صورةٌ جسدّها القرآن الكريم تأكيدًا على حرمة الدم الإنساني بغير وجه حق، وتحذيرًا من العودة إلى تكرار هذا المشهد المأساوي الذي كان بداية شلال من الدم ما زال يتدفق إلى الآن. قال تعالى: "فطوّعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين"8 .
إن صورةً مشابهةً لهذه الصورة عادت لتأخذ مكانها على مسرح الحياة ، دفعت الشاعر لاستحضار هذه الصورة القرآنية؛ صورة نستدل على حداثتها من عدة "قرائن": الفعل "عملية القتل" والفاعل "أخ ضد أخيه" وصيغة المضارع الدالة على الحال والاستقبال في "سأرضى – سأقبل" كلها دلائل على واقعية الصورة، وقوة حضور الحدث في حياة المتلقي.
وبالعودة إلى قوله "إني ذاهب"، نلاحظ أن الشاعر استعمل صيغة (اسم الفاعل) وهي تحمل في ثناياها الجمع بين الفعل والفاعل، وهذا دليل قوي على أن الشاعر قام بالفعل حقًا، ولم يكن كلامه مجرد التهديد وحسب، لقد جعل الشاعر من نفسه شاهداً على ما يحدث أمامه من أمور، بعد أن أيقن أنه لا يملك ردع الظلم، أو منع وقوع المحظور، نافضًا يديه من هذه الحياة ومآسيها.
نلاحظ من الصورة السابقة أن الشاعر استخدم صورة الموروث الديني بشكلٍ مباشر دون أن يغيرّ في طبيعة الحدث أو حقيقة الشخوص، بل تحوّل بالفعل من صيغة الماضي إلى المضارع، حتى يكُسب القصة بعداً استمراريًا يؤكد تكرار الحدث في كل زمكان. يُشار إلى أن الصياغة راعت اعتماد النظام النحوي الحاكم ترتيب الجملة الأصلي المألوف رغم التراكب الجملي الطويل، ما يعني استيقاف القارئ ليتشرّب ويعي المحمول الدلالي فيها، من حيث إن النحو " جزء أساسي من ذكاء الشاعر وفطنته وروعته، وليس جانبًا خارجيًا، ولا طلاء يُطلى به المعنى؛ النحو جزء أساسي مما نسميه نشاط الكلمات في الشعر"9 ما يمنح الجملة طاقة متجددة نابعة من شعرية النحو.
قد يلجأ الشاعر في بعض الأحيان إلى التلاعب بالقصة الموروثة محاولاً إكسابها أبعادًا جديدة تخدم الحدث المراد التعبير عنه؛ ففي مشهدٍ آخر يحكي قصة الغدر، وظّف الشاعر قصة "قريش" حين حاولت النيل من الرسول الكريم محمد – صلى الله عليه وسلم- بقتله في بيته ليلاً، بعد أن اتخذت من كل قبيلة رجلاً حتى يضربوه ضربة رجلٍ واحد، فيضيع دمه بين القبائل. إنه مشهد قام الشاعر بإسقاطه على المأساة الفلسطينية التي تمثلت في النكبة وما تلاها من أحداث، كان العرب سببها الأول بضعفهم وخذلانهم، بل وخيانتهم لهذا الجزء العزيز من الوطن العربي الكبير. يقول في قصيدة "ولا عزاء"10
اخْرج إلى حجرٍ
فقد قتلت قريش
نبيّها
وتقاسمت دمه العشائر
والقبائل في النهار
تتجلى من خلال النص السابق بعض العناصر التي عمل الشاعر على تغييرها، نتلمسّها في مجموعة من التحوّلات؛ ففي صياغته للأفعال، نلاحظ أن الشاعر استخدم صيغة الماضي في قوله "قتلت" و "تقاسمت" وهي صيغة دالة على وقوع الحدث في الماضي وانتهائه. وهذا الإقرار بوقوع الحدث يتنافى مع ما أخبرنا به النص القرآني في قوله تعالى: "وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون".11كما قام بتغيير الزمن في قوله "وتقاسمت دمه بين العشائر والقبائل في النهار" حيث يذكر الشاعر أن الحدث قد وقع في وضح النهار، وهذا يتنافى -مرة أخرى- مع السرد الحقيقي للقصة، حيث قامت قريش بالتآمر لقتل الرسول- عليه الصلاة والسلام- تحت جنح الظلام بعيداً عن الأنظار. لقد كان الشاعر مجبراً على هذا العدول الصريح عن الرواية الأصلية لاختلاف الأحوال باختلاف الزمان؛ ففلسطين التي جسّدها الشاعر بشخص الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، تعرّضت لموقف الغدر ذاته، ومثّلت قريش ومن معها من القبائل والعشائر صورة لكل المتآمرين والغادرين الذين شكّلوا بتخاذلهم وخوفهم وضعفهم خنجرًا طُعنت به خاصرة فلسطين وشعبها في وضح النهار.
إن قصة تآمر قريش على النبي محمد عليه الصلاة والسلام لم تنجح؛ لأن تدخل العناية الإلهية أنقذت النبي المصطفى من أيدي الغدر، أما الحال الفلسطيني، فالجريمة فيه واقعة ومتكررة، ونزيف الدم الفلسطيني ما زال نديًا وشاهدًا على مأساةٍ لم تجد معجزة لمنعها.
إن دلالة النهار التي استعملها الشاعر أضفت جوًّا سلبيًا على الحدث؛ فوقوع الجريمة في النهار كناية عن خسة المعتدي واتصافه بأرذل الأخلاق وأبشعها على الإطلاق، فجاءت هذه الدلالة طعنة في صدر الغدر والخيانة، وردّة فعلٍ صريحة إزاء هذه الفعلة الدنيئة.
وبالعودة إلى السطر الأول في المقطع "اُخْرج إلى حجرٍ" نلاحظ أن صيغة الأمر قد جاء بها الشاعر هاتفاً "بالمناضل الفلسطيني ومحرضاً إياه على الثأر والانتقام بالاعتماد على حجره لا على الذين كانوا سبب البلاء، بعد أن وضّح حقيقة الموقف، وكشف عن بشاعة المضمون.
ويتضح للقارئ أن شخصيات الأنبياء وقصصهم شكلت مادةً ثرية يعتمد فيها الشاعر على تطابق العوامل النفسية للحدث المبثوث في النص الديني، وذلك الذي يحاول التعبير عنه. فيجعل من شعره وعاءً يحتمل الحدث والسفور في قالبٍ ديني منزه عن التكذيب.
ففي لحظةٍ من التأمل يجسد الشاعر مشهدًا للإنسان الفلسطيني الغارق في ذكرياته الجميلة وأحلامه البسيطة، فيعود به الحلم إلى واقع أسود يحسُّ بمرارته في قلبه، وكأنه غصة تقف في حلقه،أو نار تستعر في جسده كلمّا لاحت له البلاد المسلوبة والقدس المأسورة، فتشتعل النار في قلبه. يقول في قصيدة "وثبة للغزال قبلة للقمر"12:
ويا نار كوني سلاماً عليّ
ويا نار كوني،
سلاماً على الروح، والقلب
كوني على الجرح برداً...
لقد استمد الشاعر هنا تركيب "يا نار كوني سلاماً" من قوله تعالى: "قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم".13 حيث استمدَّ الدلالة الأصلية، ولكنه استبدل إبراهيم بقوله "عليّ" وأمر النار أن تكون بردًا وسلامًا على جروح قلبه، وهو بذلك يضفي عليها بعدًا سلبيًا وهو "أن تكون النار غير حارقة" واستدعاؤه لهذا النص يشعر المتلقي بأن هذا التركيب "يا نار كوني سلاماً" ما هو إلا تعويذة ضد النار، صالحة لكل زمان ومكان بعد أن أنقذ الله بها نبيه إبراهيم عليه السلام.
إذن، يريد الشاعر من النار أن تنسيه أحزانه وآلامه وجروح قلبه، ولكنه- بالطبع- لا يريد أن ينسى الدافع الأساسي لهذا الحزن وهو ضياع بلاده، وعلى ذلك نلاحظ أن الشاعر يحاول أن يتعامل مع النار كمصباح سحري يحقق أمانيه؛ فهو يريد أن يمّحي ألم قلبه وجرحه النازف بزوال السبب لا بنسيانه أو تناسيه. هو ابتهالٌ نشعر من خلاله بتلك الهمسات اللاهثة بالدعاء الصادق الخارج من قلب مكلوم وحائر.
إن استحضار الشخصية الدينية لا ينطوي على الإلمام القوي بعناصر القصة وتفصيلاتها بقدر ما ينطوي على فهم وإحساس، بل وإدراك طبيعة الحالة النفسية لتلك الشخصية، فالشعر يحاول أن يكشف ما وراء القلوب، ويجعل الدنيا أكثر رحابة واتساعًا مما هي عليه، وبذلك فإن حضور الشخصية يعتمد بشكل رسمي على الطبيعة النفسية التي سيؤديها في سياق النص. ويتجلى هذا الكلام في توظيف الشاعر لشخصية مريم العذراء عليها السلام في قصيدة "بيروت"14] إذ قال:
هزّي بنخلك يا عذراء أُمتنا هزّي بنخلك كاد الشك يعمينا
يمتاح الشاعر في هذا البيت إشارة قرآنية " هزّي بنخلك" مكرورة أفقيًا مرتين؛ لاكتنازها الدلالي، ولإضفائها ثراءً "على حركة الصياغة اللغوية، وعناصرها البنائية المعبرة عن فلذات مهمة في التجربة الشعرية خاصة والفلسطينية عامة"15. يتسنى إرجاع هذا الأمر إلى نقطتين أساسيتين على محور العلاقات اللغوية والدلالية، أولاهما توظيف الشاعر لشخصية " مريم" من خلال آلية " اللقب" وهو يباين العلم المباشر الدال على ذاته فقط، الذي قد يختلط بأعلام أخرى يتعذّر تعيينها بدقة، كما يختلف العلم المباشر عن اللقب الدال على مدح أوذم، الذي يكون والكنية مقتربين؛ " لأنهما يحملان إشارة مزدوجة" توصيف + تعيين"، ويدلان على الذات وعلى غيرها معها"16. وثانيتهما فتتمثل في التكرار الأفقي لجملة " هزّي بنخلك" الطلبية المشحونة برصيد ديني قادر على إضفاء صفة القدسية على شخصية مريم.
إن اقتران "هزّي بنخلك" مع دال "العذراء" يجعل نسق البيت مطابقاً للغة الخطاب الديني في قوله تعالى: "وهزّي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنيا".17. لقد استمد الشاعر صورة السيدة العذراء -عليها السلام- وهي تهز جذع النخلة كما أمرها الله تعالى بعد أن أنجبت السيد المسيح –عليه السلام- وأسقطها بأبعادها كافة على مدينة بيروت اللبنانية لتشابُه الوضع والحال.
يصوّر الشاعر في هذه القصيدة مشهدًا من مشاهد البطولة الفلسطينية التي احتضنتها بيروت العاصمة اللبنانية، حين كانت شاهدة على كفاح الأبطال الأحرار، وشاهدة على غربتهم ورحيلهم عنها، كما كانت بيروت أرض الرباط التي تصدت للعدوان الغاشم، ووقفت أمامه صامدة صابرة. يدل هذا البيت من خلال البعد النفسي لشخصية الشاعر النضالية على مدى تأثره بأحداث عام 1982م حيث كانت بيروت المعقل والأمل.
وبالعودة إلى القصيدة، ومن خلال هذا البيت، نرى أن الشاعر أسقط صورة العذراء على بيروت؛ فالعذراء التي كانت أم المسيح الذي قطع مولده وتكلمه في مهده الشك باليقين، ودحض كل ظنون الفاسدين بقدومه الذي جاء نورًا وسلامًا على العالمين. هي الحال ذاتها التي لعبتها المدينة التي أنجبت واحتضنت الأبطال الأحرار الذين رفضوا الذل، ووقفوا في وجه الظلم، وتكبدوا كل عناء، كان أصعبه خروجهم من بيروت راحلين.
يجمع بين مريم العذراء وبيروت رابط مهم يتمثل في أن كلتيهما تحمل صفة " الأنثى" رمز العطاء والخصوبة؛ فالعذراء أنجبت المسيح عليه السلام، وبيروت أنجبت أبطال الثورة، وكلا المولودين جاء نورًا سخره الله سيفًا في وجه الظلم والظلام.
مما سبق نلاحظ أن الشاعر بصورته الاستحضارية تلك جعل من بيروت صورة للوطن بكل ما يحمله هذا الوطن من معانٍ عميقة ومقدسة في قلب كل إنسان يدرك معنى الوطن، وهو بذلك يحاول تحقيق الغاية الاستحضارية بما يضفيه على الشخصية المستهدفة في القصيدة من قدسية وأهمية عظيمة.
إن الذي يكتب لفلسطين ولشعبها تسيطر على نصوصه الشعرية حقول دلالية بعينها، تراها تتكرر بين ثنايا دواوينه وأشعاره، ويرى الدارس أن الصورة الاستحضارية –أيضًا- قابلة للتأثر بهذا الحقل الدلالي، حيث إن مشهد الحدث والأسر يستوجب من الشاعر استحضار صورة تحمل الألم والخوف والحزن ما يستطيع من خلاله أن يبُّث ويصورّ حقيقة الأمر وفداحة الموقف، خاصة لغير القابعين تحت ظل الاحتلال؛ ففي بيت من الشعر في قصيدة " مرسوم آخر بالاستقالة أمام سيف الدولة الحمداني"18 أراد الشاعر أن يصور حالة الشعب الفلسطيني في هجرته وتشرده عن أرض الوطن، ولم يجد إلى ذلك سبيلاً أقرب من صورة يوم القيامة فيوظفها بقوله:
"غادرت ذات حمل حملها وترى وجه الحقيقة مكلوماً وينكلم"
إن الآيات القرآنية التي تتحدث عن أهوال يوم القيامة اكتسبت ميزة عظيمة في القرآن الكريم، فصياغتها الجزلة، والوقع الشديد لألفاظها، يحمل السامع على الخوف والرهبة، وتدفعه إلى عمل كل ما أمكن لتجنب هذا المشهد إن كان من المفلحين.
واستمداد الشاعر لهذه الصورة من قوله تعالى " يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمّا أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد"19 يكشف هول ما عاناه الإنسان الفلسطيني عند اقتلاعه من أرضه، فتجد الناس ضائعين ذاهلين عن أولادهم وأنفسهم لهول الصدمة، التي لم يكن عقل الإنسان الواعي قادرًا على تصديقها، حتى الأم التي أشد ما تكون ارتباطًا بوليدها في فترة الرضاعة تراها ذهلت عنه لهول الفاجعة.
وكثيرًا ما سجل تاريخ المأساة الفلسطينية صورًا من تشرد الابن من الأب وضياع الوليد من أمه. إن نكبة فلسطين في رأي الشاعر هي يوم القيامة الأصغر، ذلك اليوم الذي استفاق فيه الإنسان الفلسطيني على كابوس الهجرة واللجوء.
ونشعر من خلال نبرة الكلام وربطها بعنوان القصيدة أن الشاعر يوجه هذه الصورة إلى الزعماء العرب لعلها تحرك فيهم شيئاً من المروءة والهمة، ولكن الفعل "يتكلم" يشكل مدلولاً يعطيك شعوراً بأن الجرح الفلسطيني ما زال نازفًا، بل وهناك جروح أخرى تفجر في كل يوم ألمًا جديدًا، وعلى هذا يكون العرب ممن ينعتون وفقًا للنص القرآني بأنهم سكارى وبذلك هم الخاسرون.
ويقول الشاعر في قصيدة "أحاسيس"20:
لست الذي في الشرع
يكظم غيظه
لست الوحيد
أولا ترى
هنا المعربد بين أصفاد الحديد
أولا ترى عين اليتيم
وعفة المحروم
والله الشهيد
يتعالى صوت الشاعر في هذا النص غاضبًا للمهادنة والتسامح مع من اغتصب الأرض، وقتل الأهل وصادر الأحلام. إن الإسلام يأمر الإنسان بتحكيم العقل، والإمساك بزمام المشاعر عند الغضب، ففي قوله تعالى: "والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين"21 دعوة صريحة للاتصاف بالحلم والصبر والعفو.
لكن الشاعر -من خلال النص- يصرح بشكل واضح وقاطع رفضه لما جاء في الآية الكريمة، في تعامله مع مغتصبه، فهو غير قادر على كتم هذا الغيظ، وذلك الحقد والغضب الذي تفجر من داخله بركانًا ثار في وجه العدو الذي يرى فيه مسخاً لا يستحق منه سوى القتل والفناء، فيعلنها صريحة: "لست" وهو بهذا الرفض لم يكن الوحيد فمعه دمعة اليتيم وعفة المحروم، وصرخة المأسور خلف قضبان الحديد. وهو بذلك يرى أن الشعور الغاضب النابع من داخله شعور جمعي اشتركت فيه كل فئات الشعب، موقف واحد اتفق عليه الجميع باختلاف أحوالهم من الذي أسر ويتمَّ وحرّم، فلسان حالهم يقول: إن كظم الغيظ والصفح والسماح، لا يكون مع بني إسرائيل. ولكن هذا الرفض لا يأتي من قبيل إنكار الشاعر لهذه الصفات، بل يأتي الرفض في أن يكون التعامل بهذه الصفات موجهًا إلى الصهاينة ومن والاهم، وفيما عدا ذلك ترى الشاعر مقرًا لهذه المسلكيات، ومتمسكًا بها.
ب. استحضارالحديث النبوي الشريف:
وهو المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، وعليه الاعتماد الأكبر في تفسير القرآن الكريم، وتوضيح الأحكام العملية في الإسلام، ومن هنا تعد مسألة التأثر به أمرًا مفروغًا.
وكان لهذه الأحاديث أثر في نفوس المسلمين لا يقل عن ذلك الأثر الذي تركه القرآن الكريم. كيف لا! والله تعالى قال في محكم كتابه: "وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى"22 وبذلك نجد أن المبدع حصل على مصدر آخر جديد يستقي من متنه صورة وفكرة تخدم النص الشعري وقضيته، إلا أن هذا النوع من الاستحضار كان أقلّ حضورًا من الاستحضار القرآني؛ فالانفتاح عليه والاقتباس منه كان في مساحة ضيقة جدًا، ومع ذلك فقد كان لبعض هذه الصور أثر كبير وحضور فعال في ثنايا القصيدة .
أول الأمثلة التي تستوقف الواحد منا ما جاء في قصيدة "يا خسارة"23 :
هكذا الموقف يبدو
أعرج الوجد
يتيمًا...
فاحلق الذقن
وأرخ الشاربين..
يكشف التتبع الدقيق لسطور هذه القصيدة عن نبرة هجائية، مستنفرة، يصبُّ الشاعر من خلالها جام غضبه على كل مشكك، في شرعية النضال الفلسطيني، وكل آبقٍ يحاول الطعن في رموز النضال وشهدائه. وإخلاص المشاعر لقضيته الفلسطينية يدفعه إلى أن يرى في تصرف هؤلاء خروجًا على الدين ومجانبةً للحق، فيطالبهم بخلع أنفسهم من ملتهم:
فاحلق الذقن،
وأرخ الشاربين...
صورة سلبية للرجل المسلم تخالف ما هو معهود في العرف الإسلامي، وما هو مأخوذ عن الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله: "خالفوا المشركين، ووفروا اللحى، وأحفوا الشوارب"24 فمن خلال النص نلاحظ صيغة الأمر في (فاحلق)، (وأرخ) التي يطالب الشاعر بها المخاطبين بخلاف الأوامر الموجهة للمسلمين في الخطاب النبوي، إذ يدعوهم إلى حلق الذقن وإرخاء الشارب، وهذه دعوة تنطوي على حقد وغضب كبيرين يحملهما الشاعر تجاه المخاطبين، كما أنَّ في النص عدولاً يكشف من ورائه عن حرص لدى الشاعر ليعبر عن معنى ما دون أن يكون ذلك بصورة مباشرة؛ فهو من خلال هذه الصورة المخالفة يُخرج المخاطبين في النص من دائرة الإسلام وأهله، فالحديث النبوي يقول في بدايته (خالفوا المشركين) ثم يأمر بإعفاء اللحى وإحفاء الشارب، وبمطالبة الشاعر لهم بما يخالف هذه الأوامر الخارجة عن السنة يخلق حالة المطابقة بين حالهم وحال المشركين، فأصبحوا على درجة واحدة من الشرك والضلال.
وبذلك يتضافر النص الشعري بما ينطوي عليه من نبرة هجاء مقذع، مع نص الحديث الشريف لإنتاج دلالات سلبية تهدف إلى هزيمة الغريم من خلال إسقاطه دينيًا، ويأتي النص الديني في النهاية كأسلوب أدبي ذكي يعمل على تأكيد الفكرة وترسيخها تمهيدًا لجعل الصورة مقبولة، ومصدّقة عند المتلقي. إن النص السابق يعكس لنا صورة لتوظيف النص الديني كسلاح ينفي الشرعية والمصداقية عن الآخر المستهدف، ويعطي إيحاءً شفويًا بصدق الخطاب الشعري لغة وعاطفة.
وفي أنموذج آخر يوظف الشاعر الوصف الذي كثيرًا ما اعتمد عليه الحديث الشريف كوسيلة يهدف بها إلى رسم أبعاد الصورة الذهنية التي كان يحاول عليه الصلاة والسلام إيصالها لأصحابه، ويتضح ذلك في قصيدة "قمرستان"25 التي تصوّر أفغانستان البلد الإسلامي الذي يرزح تحت ظلم الاحتلال الأميركي، صورة قائمة تعكس جبروت المحتل وحقده الذي حرق من خلاله الأرض ومن عليها، وأشبع الشعب قتلاً وهتكًا ودمارًا، فيقول في أحد مقاطعها:
قمرستان...
صحراءٌ، قاحلةٌ...
لا يسكن فيها إنسٌ
أو يعرفها جانٌ
صورة بشعة توضح مدى الخراب والخوف الذي دبَّ في تلك البقعة، صحراء جرداء هرب منها من سكنها من البشر، وهجرها حتى أولئك الذين عاشوا في بعد آخر فوقها. فالخراب والدمار شامل لم يترك أحدًا فيها إلا السراب، وكأن الأرض التي تحدث عنها الشاعر ليست على وجه هذه الكرة الأرضية، وصفاتها وملامحها تختلف عن أية بقعة أخرى.
ونحار في هذا التصوير الخارج عن طاقة التخيل، حتى أن الجان الذين يتمتعون بقوىً خارقة لم يكونوا قادرين على دخولها ومعرفة ما فيها. لقد أصبحت أفغانستان مكانًا غامضًا، حيث باتت في عداد الغيبيات التي لا يقدر أحدٌ على الوصول إليها، أو تصور طبيعتها إلا بإذن الله، وهي على ذلك تلتقي بصورة الجنة جزاء الخير التي وعد الله بها المؤمنين من عباده، وقد وظفت الجنة في الحديث القدسي عن رب العزة في قوله لرسوله الكريم بأنها "ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر".
إن الحديث القدسي ينطوي على دلالة إيجابية، حيث يخفي في ثناياه بشائر وجنانًا، أشجارًا وأنهارًا، حور عين وقصورًا، وغير ذلك مما لا مثيل له على هذه الأرض. أما الشاعر فقد وظفّ النص بقوله: "لا يسكن فيها إنس – أو يعرفها جان"
هي صورة سلبية لأرض لم يسمع الناس بمثيل لها في القتل والدم والنار والتشرد، وغيرها من الصور المجزعة التي تفنن المحتل في تجسيدها، حتى عصت على قدرة الإنسان الذهنية على تصورها، وأصبحت أفغانستان جهنم البشر على الأرض.
ومن خلال الصورة السابقة نستشف أن الشاعر جسّد لهذه الأرض صورة يعجز المتلقي عن تخيلها؛ لأنه كلما تخيل حدثًا عرف أن حدثًا أقوى وأشد يمارسه الاحتلال على ظهر هذه البسيطة، وهذا إيحاء بالعمق التصويري الذي يستحث المتلقي على التعمق في التخيل والتصور دونما نتيجة حاسمة، وفلسطين هي أرض الأنبياء، وهي ميزة اكتسب الشعب الفلسطيني من خلالها خصوصية في شخصيته تتلاءم وخصوصية الوضع الفلسطيني، لبعده التاريخي الديني، وحاله السياسي الذي جعل من هذا الشعب حالة خاصة قد يعجز التاريخ في يوم ما على تسجيل مثيل لها.
إن أهم صفة توسم بها النفس الإنسانية الفلسطينية هي تلك الروحانية التي حوّلت الإنسان الفلسطيني إلى أقوى أسطورة ثورية عرفتها الأرض، ثورة لا تقبل الظلم، ولا ترضى لكرامتها أن تهان، وفي قالب شعري بسيط قام الشاعر بتلخيص كل ما سبق في قصيدة "آية في السماء"26:
هنا...
أيها القابض في يدك النجم،
أيها الباسم في وجع العمر،
أيها القابض في يدك الجمر،
نلاحظ أن السطر الأخير من النص يحوي امتصاصاً قوياً يكاد يطابق نص الحديث الشريف في تركيبه النحوي ودلالته، فيقول الشاعر: "أيها القابض في يدك الجمر" يوافق الرؤية المشمولة في قوله عليه الصلاة والسلام: "الصابر على دينه كالقابض على الجمر". هنا يظهر لدينا استمداد إحالي، ودلالة تجزم بمطابقة الحال بين الماضي والحاضر، بين المؤمن الذي بات دينه حملاً عليه وجمرًا في يده في زمان عز فيه الدين، وندرت الأخلاق كما أكد الحديث النبوي الشريف، وبين صورة الفلسطيني الذي كان حمله لشرف الثورة، ورفضه للإذعان والهوان، ووقوفه على مبادئه وثوابته حجرًا حارقًا في ظل تخاذل الإخوة، وتنازل الأصحاب. نرى أن الشاعر أبقى على صيغة اسم الفاعل "القابض" كما وردت في الحديث النبوي تأكيدًا على مطابقة الحال، وعلى استمراريته في واقع أصبح فيه المتلقي على إدراك بأن هذه المشاعر هي ذاتها ذلك العبء الصعب الذي يحمله كل واحد منا في صدره، ويقبض عليه في يده.
لقد حمل النص الشعري دلالة مزدوجة في الحال؛ ففي حال أن يكون الجمر حارقًا دلالة سلبية على طبيعة المجتمع، والناس الذين يشكلون السواد الأعظم الذي ضل عن طريق الهدى وسواء السبيل، وباع الوطن بمقابل زهيد في إشارة لخنوع المجتمع العربي. إلا أن في حرقته للمؤمن والمناضل دلالة إيجابية على صمود الإنسان النقي المخلص، فكأنما تأجج هذا الجمر بالنار إنْ هو إلا وسام شرف في يد وقلب كل مؤمن وثائر، بل وكل غريب في وطنه ودينه، ولعل هذه ميزة أخرى اكتسبها الإنسان الفلسطيني كونه غريبًا في وطنه كما الأنبياء، ورغم سلبية الغربة إلا أنها كانت له شرفاً قد يماثل ذلك الشرف الذي قاساه الأنبياء.
الاستحضار العَلَمي:
وهو قائم على استرجاع الشخصية القيادية ذات البعد التاريخي الديني، التي شكَّل متخفّوها بصفاتهم وأسلوبهم في الحياة أنموذجًا غنيًا للاقتباس، بل أن مآثرهم وبطولاتهم ومواقفهم في الحياة باتت حلمًا يتمنى الإنسان المتحضر عودة روحه لتصلح ما أفسده أحفادها عبر الزمن.
وقد يكون الاسترجاع ذا طابع سلبي بحيث يذكره الشاعر بهدف الهجاء أو السخرية أو النقد اللاذع وغيرها، وفي جميع الحالات فإن استحضارالشخصية الدينية التاريخية يحمل في ثناياه دلالة الضعف والخوف التي تستدعي من الشاعر اللجوء إلى شخصية تاريخية يرى فيها منقذًا لهذا الموقف الحرج، وقد يكون ذا نزعة خطابية تعيد ترديد ذكر شخصيات قوية وظالمة في إشارة منه إلى رسوخ القلب والعقل، وعدم الخوف والخنوع سواء أكان ذلك قديمًا أم حديثًا.
وقد يلجأ الشاعر إلى استحضار شخصية ما يطابق بينها وبين أخرى في العصر الحاضر بشكل إيجابي قد يعزز فرحة النصر، أو بشكل سلبي يدعو الشاعر من خلاله هذه الشخصية إلى التأمل والتفكّر في حال من سبقها من الظلاّم. يقول في قصيدة "حوار شعبي خطير"27 مُستحضرًا شخصية دينية قيادية على سبيل الاستنجاد، وواصفًا حالة الأمة وضعفها بليلٍ منفلتٍ ليس له صباح:
وطرقت بابك سائلاً
هل لي سيف
أو بروج
من سيوفك
أو رماحك
للوغى يا ابن الوليد
إنها شخصية بطولية فريدة في الشجاعة ومحاربة الظلم، هي شخصية خالد بن الوليد سيف الله المسلول، الذي لربه ما انهزم سيفه في وجه عدوٍ قط، فكان دائمًا نصلاً متأهبًا على رقاب الكافرين. فالشاعر قد استحضر خالداً لا لنفسه بل لسيفه ورمحه اللذين كانا دائمًا سببًا في انتصار المسلمين على أعدائهم.
يستهل الشاعر هذه المقطوعة بقوله: "وطرقت بابك سائلاً" لقد جرّد الشاعر من نفسه شخصاً يقف على باب بيت خالد "سائلاً" والسؤال قد يكون في حاجة لمال أو طعام، أما حاجة شاعرنا فهي حاجةٌ إلى سيف قويّ يرد الكرامة ويزيل الظلام. وفي قوله "هل لي سيف" عدول بالاستفهام عن معناه الأصلي، إلى رجاء مشوب بحزنٍ عميق كالغريق المتعلق بأمل وحيد للنجاة.
إن شخصية السائل التي جردّها الشاعر من نفسه أعطت إيحاءً ودلالات قوية لذلك الضعف الذي نخر في عضد الدول العربية، ولم يعد فيهم كريم أو شجاع واحد يرد عن أهله المعتدين، ويذود عن حياضهم، فكان خالد ببطولاته وشجاعته التي لا مثيل لها أملاً يتعلق فيه الشاعر، ويتمنى أن يفتح له الباب وألا يرد سؤاله. إنها لفتة إلى ماضٍ منير يتمنى الشاعر رجوعه من خلال قائد معاصر.
إغلاقٌ:
من خلال النماذج المذكورة، نلاحظ كيف استطاع الشاعر توظيف الموروث الديني بشخصياته ونصوصه ليعبر عن أوضاع وأحداث آنية كان لها امتداد في ذلك الموروث، ونستطيع القول إن النماذج السابقة شكلت "تعبيرًا عن الموروث، وتعبيرًا بالموروث"28 فهي - وإن كانت تستعمله كأداة لنقل صورة أو فكرة أو حقيقة ما- قد شكلت في الوقت ذاته نصاً توثيقياً لذلك الموروث الذي قام الشاعر بنبش لحوده ، وإعادة صياغته أو اقتباسه، ليكشف عن دلالات جديدة تناسب طبيعة المرحلة.
إن مقدرة النص الديني على التشكل عبر الزمن طبيعة تأتي بالدرجة الأولى من إعجازه المعروف، كما تأتي من طبيعة التأثير الذي تركه هذا الموروث في الشخصية الإبداعية، وبعدها الثقافي الذي نلمسه من خلال الأعمال الأدبية.
إن النصوص الاستحضارية - وإن لم تكن قادرة على خلق الجديد في المعنى المعطى للمتلقي- استطاعت إعادة تشكيل الصورة وتحديثها بشكل يتلاءم والمعطيات الفنية والمادية الجديدة، وشكلت بقربها المباشر من الدلالات الأصلية- سواء أكان ذلك في التركيب النحوي أم في الصورة الشعرية- صدىً تاريخيًا ينبعث من جديد لينير درب الحقيقة، وينبه المتلقي إلى عواقب الأحداث الماضية عسى أن يدرك العبرة والعبارة.

الهوامش:
1- حميد لحمداني، التناص وإنتاجية المعنى، مجلة علامات في النقد – جدة- ج40، م 10، 2001، ص69 .
2- حفيظة أحمد، بنية الخطاب في الرواية النسائية الفلسطينية 1950- 2000، مركز أوغاريت –رام الله- ط1، 2007، ص332.
3- يكون المعنى بين المتحاورين متوافقًا ومتوازيًا تقريبًا.
4- بتصرف عن: حفيظة أحمد، مرجع سابق ص334.
5- بتصرف عن: أحمد الزعبي، التناص نظريًا وتطبيقيًا، مكتبة الكتاني – إربد- 1995، ص16.
6- سورة البقرة: الآية،23
7- رجع الجوى، ط1، فلسطين رام الله ـ القدس ، منشورات اتحاد الكتاب الفلسطينين ،2005م، ص16.
8- سورة المائدة، الآية 30.
9- د. مصطفى ناصف، اللغة بين البلاغة والأسلوب، النادي الأدبي الثقافي –جدة- 1989، ص254
10- رجع الجوى،مصدر سابق، ص16.
11- سورة يس، الآية9.
12- " وثبة للغزال قبلة للقمر، اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين- القدس- ط1، 2001، ص14.
13- سورة الأنبياء: الآية،69
14- حلم الفتى العائد ، ط1 ، فلسطين ـ القدس ، المطبعة العربية الحديثة بنابلس، 1996م، ص89.
15-إبراهيم موسى، آفاق الرؤيا الشعرية، ط1، وزارة الثقافة الفلسطينية، الهيئة العامة للكتاب، 2005،ص106
16-أحمد مجاهد، أشكال التناص الشعري، دراسة في توظيف الشخصيات التراثية، الهيئة المصرية العامة للكتاب – مصر- 1998،ص41.
17- سورة مريم: الآية،25
18- وثبة للغزال، قبلة للقمر، مصدر سابق، ص32.
19- سورة الحج، الآية1-2.
20- رحلة في بحر عاصف، ص22
21- سورة آل عمران: الآية،34
22- سورة النجم: الآية3-4
23- رجع الجوى، ص70.
24- ابن حجر،الإمام الحافظ أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار الفكر –بيروت- د.ت: باب اللباس،ص288
25- رجع الجوى، مصدر سابق، ص48.
26- وثبة للغزال قبلة للقمر، ص40.
27- رحلة في بحرعاصف، مصدر سابق، ص49
علي عشري زايد، استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، الشركة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، طرابلس –ليبيا- 1978،ص99

علي حسن خواجة

عدد المساهمات : 3
نقاط : 7
تاريخ التسجيل : 13/04/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد

مُساهمة  Salah Islam في الأربعاء أبريل 14, 2010 11:01 pm

بارك الله فيك أخي علي حسن على هذا المقال، ولكنني دائما ما أسأل نفسي لماذا نحلل نصا ما تحليلا سيميئيا او أسلوبيا ...الخ ماذا يقدم هذا التحليل للأدب ،ربما إن كان هذا الن الأدبي المدروس له أهمية كبرى في موضوعه: مقاومة، إصلاح، وعير ذلك من القيم الأخلاقية. ولكن إذا كان غزلا مثلا لماذا نتعب أنفسنا في تحليل مثل هذه النصوص، أظن انها مضيعة للوقت.
وشكرا

_________________
avatar
Salah Islam
مشرف عام
مشرف عام

عدد المساهمات : 141
نقاط : 470
تاريخ التسجيل : 05/07/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد على رد

مُساهمة  علي حسن خواجة في الجمعة أبريل 16, 2010 10:27 am

أخي الكريم
إن كان هذا الأمر مضيعة للوقت، فما الذي يمكن عده انتفاعًا بالوقت؟!
إن دراسات كتلك تنطوي على فوائد جمة يمكنك التفكير بها!
ألا تعتقد أن وطننا العربي الكبير يضيع وقته في أشياء تافهة، ويخرج نفسه من دائرة التاريخ الإنساني؟
أرجو أن تتكرم وتوضح ما الذي يمكن أن ننشغل به في هذا المنتدى ليكون وقتنا ثمينًا بعيدًا عن أي هدر له؟!
أخي العزيز،
كل ما يقدم عبر هذه البوابة الكريم مديروها له فوائد جمة يحددها العضو...
لك مني ولكل الزملاء التحية الطيبة
وشكرًا

علي حسن خواجة

عدد المساهمات : 3
نقاط : 7
تاريخ التسجيل : 13/04/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى